عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
7
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في ورود « الْحَمْدُ لِلَّهِ » في أوائل خمس سور ] هذه الكلمة مذكورة « 1 » في أوائل خمسة ، أوّلها سورة « الفاتحة » الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] . وثانيها : هذه السورة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 1 ] والأول أعمّ ؛ لأنّ العالم عبارة عن كل موجود سوى اللّه تعالى . وقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لا يدخل فيه إلّا خلق السماوات والأرض ، والظّلمات والنور ، ولا يدخل فيه سائر الكائنات ، فكان هذا بعض الأقسام الداخلة تحت التّحميد المذكور في سورة « الفاتحة » . وثالثها : سورة الكهف : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [ الكهف : 1 ] . وهذا أيضا تحميد مخصوص بنوع خاص من النعمة وهي نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن ، وبالجملة النعم الحاصلة بسبب بعثة الرّسل عليهم الصلاة والسلام . ورابعها : سورة « سبأ » : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الآية : 1 ] . وهذا أيضا تحميد على كونه مالكا لكلّ ما في السّموات والأرض ، وهو قسم من الأقسام الدّاخلة في قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . وخامسها : سورة « فاطر » الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الآية 1 ] . وهو أيضا قسم من الأقسام الدّاخلة تحت قوله تبارك وتعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . فإن قيل : ما الفرق بين الخالق وبين الفاطر والرّبّ ؟ وأيضا لم قال هاهنا : « خلق السّموات والأرض » بصيغة فعل الماضي ، وقال في سورة « فاطر » : الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ بصيغة اسم الفاعل ؟ . فالجواب عن الأول ، أنّ الخلق عبارة عن التّقدير ، وهو في حقّ اللّه - تعالى - عبارة عن علمه النّافذ في جميع الكلّيات والجزئيات ، وأمّا كونه فاطرا فهو عبارة عن الإيجاد
--> - السؤال ، أما لو قال : الحمد للّه ، فليس فيه ادعاء أن العبد أتى بالحمد والثناء ، بل ليس فيه إلّا أنه سبحانه مستحق للحمد والثناء ، سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه ، فظهر التفاوت بين هذين اللفظين من هذا الوجه . وثالثها : أنه لو قال : أحمد اللّه ، كان ذلك مشعرا بأنه ذكر حمد نفسه ، ولم يذكر حمد غيره ، أما إذا قال : الحمد للّه ، فقد دخل فيه حمده وحمد غيره من أول خلق العالم ، إلى آخر استقرار المكلفين في درجات الجنان ودركات النيران ، كما قال تعالى : ( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) [ يونس : 10 ] فكان هذا الكلام أفضل وأكمل . ينظر : الرازي 12 / 120 . ( 1 ) في أ : موجودة .